أسواق الأسهم.. العام الأهم منذ عام 2008

أسواق الأسهم.. العام الأهم منذ عام 2008

قد تكون أسواق الأسهم ارتفعت إلى مستويات قياسية بالتزامن مع زيادة الشعور بالثقة على جميع الصعد تقريباً، ولكن ذلك لا يشير بالضرورة إلى نشوء فقاعة اقتصادية جديدة، وإنما يشير إلى إجراءات تصحيحية على الأرجح. ومن وجهة نظرنا، فإنه يتعين على المستثمرين مراقبة حركة الأسعار بحرص بالغ للعثور على أي مؤشرات تدل على وجود نمو أسي فائق، إلى جانب سياسات البنك المركزي ومؤشرات التضخم.

وكانت الأسواق قد استهلت العام الحالي ببيئة اقتصادية هي الأكثر ازدهاراً منذ العام 2006، وذلك قبل أن تظهر أولى علامات الضعف في أسواق الإسكان الأمريكية. وتعد المؤشرات الاقتصادية المفاجئة للعديد من الاقتصادات الكبرى في أعلى مستوياتها منذ ظهورها للمرة الأولى في عام 2000. بينما وصل النمو السنوي لمعدل الأرباح قبل احتساب الضرائب والرسوم والإهلاك والاستهلاك للشركات المندرجة ضمن مؤشر ’ستاندرد آند بورز 500‘ إلى أعلى مستوياته منذ عام 1991. وارتفع ’مؤشر مورجان ستانلي إنترناشيونال‘ لجميع بلدان العالم للشهر الخامس عشر على التوالي، وهو أمر لم يسبق وأن حدث منذ العام 1988.

وتدل بعض المؤشرات على وجود فقاعة سعرية في أسواق الأسهم، ولكن لا يمكن على الإطلاق مقارنتها بالفترة التي أدت إلى انهيارات أسواق الأسهم عام 1987 ونشوء فقاعة الإنترنت. ولا تعتبر الأسهم مكلفة بالمقارنة مع غيرها، ولكن من ناحية القيمة الاقتصادية الحقيقية تتخذ الأوضاع طابع التقلّب. وتشكل العملات الرقمية على الأرجح المصدر الرئيسي لهذه الطفرة. كما شهدت أسعار العقارات ارتفاعات ملحوظاً من حيث القيمة الاقتصادية الحقيقية في العديد من البلدان، بينما يتجه المضاربون هبوطاً نحو أسواق الأسهم القوية مع الانتباه بشكل طفيف إلى المؤشرات التحذيرية.

ولكن أي الطرفين محقّ في وجهة نظره، المضاربون هبوطاً أم صعوداً؟

محقون فيما يتعلق بالبرازيل ومخطئون فيما يتعلق بالطاقة
ضمن إطار توقعاتنا للربع الأخير من العام الماضي، قمنا بتسليط الضوء على الارتفاع المفرط الذي شهدته أسواق الأسهم البرازيلية نتيجة لضعف قيمة الدولار الأمريكي وتعقّب الأسواق لحالة الانتعاش التي قادتها الصين. وكنّا قد أوصينا المستثمرين في ذلك الوقت بتقليل اعتمادهم على البرازيل نظراً لكون التقييمات تستند إلى أسواق الأسهم الأمريكية والهشاشة الكبيرة التي اتسم بها الوضع السياسي في ذلك الوقت. وقد اتضح فيما بعد انخفاض أسواق الأسهم البرازيلية على ’مؤشر مورجان ستانلي إنترناشيونال‘ للأسواق العالمية بواقع 7,5 نقطة مئوية، و’مؤشر مورجان ستانلي إنترناشيونال‘ للأسواق الناشئة بنسبة 8,5% من حيث الدولار الأمريكي.

كما كنّا قد أعدنا التأكيد على نظرتنا السلبية تجاه أسواق الطاقة بناءً على نظرتنا المتعلقة بالارتفاع المحتمل لأسعار النفط وضعف الميزانيات الحكومية. وقد ارتفع سعر خام برنت بنسبة 18% نتيجة لضغوط الإمدادات وأجواء التفاؤل الاقتصادي القوي التي ساهمت في ارتفاع الأسعار. ولحسن الحظ، فإن التقييمات الخاصة بقطاع الطاقة قد ساهمت بالفعل في الحد من إمكانية حدوث ارتفاع كبير في أسعار النفط الخام، وبذلك ارتفع ’مؤشر مورجان ستانلي إنترناشيونال‘ لأسواق الطاقة بنسبة 6,8% خلال الربع الأخير في مقابل ارتفاع بنسبة 5,8% على ’مؤشر مورجان ستانلي إنترناشيونال‘ للأسواق العالمية، مما أدى بدوره إلى تحسن مستويات الأداء بشكل طفيف.

المستثمرون يلاحقون سراباً
بالنسبة للربع الأول من العام الحالي، فإننا ندرك مقدار الزخم القوي للأسعار والتوقعات المتفائلة بكل ما ينطوي ذلك عليه من احتمالات بأن تتحول هذه الفترة إلى موسم أرباح قوي يعكس الأحداث التي سبقته. وهذا ما يدفعنا للاعتقاد بأن أسواق الأسهم يمكن أن تشهد صعوداً قوياً على المدى القصير جداً، ولكن من المتوقع للبيانات الكلية الخاصة بالنصف الثاني من الربع الأول أن تبدأ بخيبة أمل فيما يتعلق بالتوقعات المتفائلة، مما سيفضي إلى إجراءات تصحيحية لأسواق الأسهم بنسبة تزيد عن 7%، وهو أمر لمن نشهده منذ استفتاء ’بريكست‘.

وكانت آخر الإجراءات التصحيحية التي شهدتها أسواق الأسهم قد حدثت في أواخر العام 2015 واستمرت حتى بداية عام 2016، وذلك عندما بلغت المخاوف ذروتها في أعقاب تسبب الصين بخسائر طالت الأسهم العالمية بما يقارب 20% من قيمتها.


وتشير توقعات المستثمرين إلى حدوث نمو في معدل الأرباح قبل احتساب الضرائب والرسوم والإهلاك والاستهلاك بواقع 20% لدى الشركات المندرجة ضمن مؤشر ’ستاندرد آند بورز 500‘ خلال هذا العام، وهو أمر لم يتكرر منذ العام 1991. وتتنامى التوقعات المتفائلة بشكل ملحوظ نظراً لما شهدناه في نهاية العام 2017، ولكن من غير المرجح للتقلبات الضمنية الخفيفة في الأسواق أن تدفع المستثمرين إلى تجميد أنشطتهم – وإنما على العكس تماماً. ولا يزال احتمال حدوث خطأ في السياسات الصينية والأمريكية قائماً، وسيشكل التضخم - سواء كان متطرفاً لجهة الصعود أو الهبوط – المحرك الأهم للأسواق العالمية خلال عام 2018.

بماذا تُنبئ السلوكيات السعرية فيما يتعلق بإمكانية حدوث فقاعة في أسواق الأسهم؟
من خلال إدراج الأسعار اليومية على ’مؤشر مورجان ستانلي إنترناشيونال‘ للأسواق العالمية ضمن مقياس لوغاريتمي، فمن الممكن رؤية الوتيرة المتسارعة لتقلبات الأسعار ضمن القسم الأخير من التسلسل الزمني، مما يشير إلى ضخامة النمو الأسي الذي يشكل بدوره التعريف الرياضي للفقاعة الاقتصادية. وينبغي لذلك أن يشكل سبباً أساسياً لنشوء المخاوف على المدى القصير، ومن المحتمل أن يمثل العامل الرئيسي لحدوث إجراء تصحيحي بنسبة تزيد عن 7%.

ولم يكن ’مؤشر مورجان ستانلي إنترناشيونال‘ لجميع بلدان العالم قد ارتفع لمدة 15 شهراً متتالياً منذ تأسيسه في العام 1988. وكانت الفترة القياسية السابقة لارتفاع المؤشر قد بلغت 11 شهراً وانتهت خلال شهر فبراير 2004. وحتى خلال أيام حدوث فقاعة الإنترنت، لم تشهد أسواق الأسهم هذا الترابط الإيجابي التلقائي، مما يعزز الرأي القائل بأن فقاعة الإنترنت كانت تركز بشكل كبير على عدد قليل من القطاعات ولم تتخذ طابع الشمولية.

ولكن السلوكيات السعرية التي شهدناها على مدى الأشهر الـ 15 الماضية كانت غير مسبوقة واتخذت طابع الشمولية لتطال تأثيراتها الأسواق المتقدمة والناشئة على حد سواء.

وبينما تشير الأسعار اليومية على ’مؤشر مورجان ستانلي إنترناشيونال‘ للأسواق العالمية إلى حدوث نمو أسيّ فائق خلال الأشهر الماضية، إلا أن الاستنتاجات ستتغير بشكل كبير في حال تم تخفيض نطاق التكرار إلى مراقبات شهرية وإطالة فترة المراقبة بحيث تبدأ منذ العام 1970.

ففي إطار نطاق التكرار هذا، لا يشير الصعود الأخير الذي شهدته أسواق الأسهم العالمية إلى حدوث نمو أسيّ فائق. وعلى الرغم من ذلك، فثمة دليل واضح على وجود نمط مشابه خلال الأعوام الثلاثة التي سبقت الانهيار المدوي للأسواق خلال عام 1987؛ ويمكن أيضاً (وعلى نحو غير واضح تماماً) ملاحظة حدوث نمو أسي فائق خلال المرحلة الأخيرة من فقاعة الإنترنت.

يعد قطاع التكنولوجيا واحداً من أفضل القطاعات من حيث الأداء منذ الأزمة المالية العالمية، ولكن حتى في هذا القطاع لا تشير السلوكيات السعرية منذ العام 2009 إلى إمكانية حدوث فقاعة. وكان ’مؤشر ناسداك المركب‘ قد شهد الكثير من فترات النمو الأسي الفائق بين عامي 1980-2000، ولكن الفترة بين عامي 2009-2018 تظهر على المقياس اللوغاريتمي كخط مستقيم يرتفع إلى الأعلى بشكل طفيف، مما يدل على وجود ارتفاع مستقر في معدلات النمو. وهذا لا يتطابق مع تعريف الفقاعة بالمعنى الدقيق للكلمة.

أسعار الأسهم توالي ارتفاعها
واستناداً إلى مجموعة واسعة من مقاييس التقييم مثل: نسبة السعر إلى الربح (P/E)، ونسبة السعر إلى المبيعات (P/S)، وتوزيع الأرباح (Div. Yld)، ونسبة قيمة السهم إلى معدل الأرباح قبل احتساب الضرائب والرسوم والإهلاك والاستهلاك (EV/EBITDA)، وعائدات التدفقات النقدية الحرة (FCF Yld)، ونسبة السعر السوقي للسهم إلى قيمته الدفترية (P/B)، ونسبة السعر إلى التدفقات النقدية (P/CF)، ونسبة قيمة السهم إلى القيمة الدفترية (EV/Book)، ونسبة قيمة السهم إلى المبيعات (EV/Sales)؛ فإن الانحرافات المعيارية لـ ’مؤشر مورجان ستانلي إنترناشيونال‘ للأسواق العالمية ترتفع بمقدار 0,5 نقطة فوق متوسط التقييم بناءً على البيانات التي تم جمعها على مدى الأعوام الـ 22 الماضية. ففي ذروتها خلال فترة حدوث فقاعة الإنترنت، كانت الانحرافات المعيارية لمقاييس التقييم التسعة ترتفع وسطياً بمقدار 1,5 نقطة. أما في شهر سبتمبر من العام 2011، فقد كان الانحراف المعياري يقل بمقدار نقطة واحدة عن متوسط التقييم.

وبناءً عليه، تزداد تكلفة الأسهم العالمية ولكن ليس بشكل خطير. ولا يزال الركود يشكل أكبر مخاطر إمكانية حدوث تصحيح كبير يطال أسواق الأسهم دون أن يشمل التقييمات الخاصة بها.

عند إعداد التوقعات المستقبلية، يتعين على المرء الأخذ بعين الاعتبار عدداً كبير من العوامل التي تؤثر على تلك التوقعات. ويشمل ذلك سبيل المثال التقييمات الحالية، وآفاق التوقعات، والتوقعات الاقتصادية، وردود الفعل السياسية. وإذا ما بدأنا بتناول التوقعات طويلة الأمد على مدى الأعوام الخمس الماضية، فمن المرجح أن تتفوق عوائد الأسهم على جميع عائدات الأصول الأخرى - ولا سيما فيما يتعلق بتداولات سندات الدخل الثابت – حيث ستقدم الأسواق الناشئة أفضل مستويات الأداء في أسواق الأسهم.

لماذا نحن على يقين من ذلك؟
يقدم القطاع العقاري أداءً يفوق قدراته من حيث القيم الاقتصادية الحقيقية، ولا يتمكن من مواصلة هذا الأداء إلا من خلال معدلات الفائدة المنخفضة تاريخياً والتطور العمراني المستمر (وينطبق ذلك أيضاً على بلدان العالم المتقدم)، ولكن سيسهم النمو المنخفض للدخل في تراجع عائدات القطاع العقاري نتيجة لانخفاض هوامش الربحية بين الأسواق المختلفة.

وتوفر أسواق الدخل الثابت عائدات قليلة لأجل 10 أعوام ضمن أضخم 20 سوقاً للسندات الحكوميّة بنسبة تبلغ حوالي 1,2%، وتزداد هذه النسبة إلى 3,2% في الأسواق العالمية ذات العوائد المرتفعة، ولكن من المحتمل أن يشكل ذلك أمراً جيداً لأن المستثمرين لن يشهدوا على الأرجح مزيداً من ضغط العائد في هذا القطاع. وبعبارة أخرى، فإن الطريق يكاد يخلو من العقبات أمام المستثمرين في أسواق الأسهم. وتتمثل الفرضية الوحيدة وطويلة الأمد حيث لا تقدم أسواق الأسهم فيها أفضل العائدات في أن ينتقل الاقتصادي العالمي إلى الانكماش عند تعثّر الديون العالمية الضخمة.

وعند إلقاء نظرة استشرافية على العام القادم، تصبح الصورة مبهمة إلى درجة بعيدة لأنها ستشهد البتّ في احتمال دخول الأسواق في مرحلة الركود من عدمه. ولكن البيانات الكلية الحالية تشير إلى ضعف احتمالات حدوث ركود في الأسواق، لذلك فمن المرجح ألا يكون العام 2018 سيئاً بالنسبة لأسواق الأسهم ما لم يطرأ تغيير جذري على الظروف الراهنة.

لماذا يتعين علينا إذاً توخي الحذر أو الإفراط في التشاؤم حيال أسواق الأسهم خلال الربع الأول من العام الحالي؟ تتسم المعنويات بطابع الإفراط بحيث لا يمكن للمستثمرين إلا أن يشعروا بخيبة الأمل.

فقد شهدت الكثير من المؤشرات ارتفاعاً ملحوظاً – لم يسبق له مثيل في بعض الأحيان -، مما يزيد احتمالات حدوث نكسة كبيرة في حال كانت البيانات الكلية مخيبة للآمال، وهو ما سيكون عليه الوضع على الأرجح نظراً لطابع الاقتصاد الكلي الذي يتصف بخاصية العودة إلى المتوسط في مقابل التوقعات.

ينطوي الربع الأول على جميع العناصر اللازمة لحدوث انطلاقة قوية، ومن المرجح أن يصبح العام 2018 من أهم الأعوام منذ الأزمة المالية العالمية. ويقودنا ذلك إلى أحد الاحتمالين التاليين: فإما أن ترتفع جميع الأسعار بالتوازي مع نمو التضخم وإجراء عملية تطبيع جديدة لمعدلات الفائدة، أو أن البنوك المركزية ستنتهج سياسات خاطئة وتعود الديون التي تثقل كاهل الاقتصاد العالمي بصورة أضخم مما كانت عليه.

بقلم بيتر جارنري، رئيس استراتيجيات الأسهم لدى ’ساكسو بنك‘