الجهل الأخلاقي: عندما تغيب المعايير الأخلاقية المهنية دون أن نشعر

الجهل الأخلاقي: عندما تغيب المعايير الأخلاقية المهنية دون أن نشعر مميز

يدور موضوع هذا المقال في ذهني منذ فترة غير قصيرة، ويعود ليحضر من جديد في كل مرة أواجه فيها موقفاً يتطلب قياساً أخلاقياً مهنياً، ويغيب هذا المفهوم في حديث الشخص الذي أمامي. ما الذي يدفعنا لاتخاذ خطوات لا تتوافق مع المعايير الأخلاقية؟ وهل تختلف معايير أخلاق المهنة بين مجتمع وآخر، وبين شركة وأخرى؟ وهل يتوجب علينا الالتزام بالمعايير الأخلاقية فقط عندما يلتزم بها الآخرون؟

إليكم بعض المواقف التي كنت شاهداً عليها خلال السنوات الماضية، والتي أسهمت في دفعي لكتابة هذا المقال:
• مترجم موهوب عملت معه منذ سنوات، حين عاتبته على أخطاء السهو في ترجماته، أجاب: عذراً، ولكن أليس هنالك مدقق جودة مهمته تصحيح هذه الأخطاء؟
• أحد الأصدقاء استخدم البريد الالكتروني الشخصي لأغراض العمل. لاحظت الأمر بالصدفة وسألت عن السبب، فقال إنه أسهل للاستخدام على الهاتف.
• أحد المعارف، كان يستخدم خط الهاتف المتحرك الذي توفره جهة العمل لإجراء اتصالات شخصية مكلفة له ولأصدقائه، وحين سألته أجاب: دع الشركة تدفع، فهي لا تدفع لي الراتب الذي أستحق!
• أحد المعارف أيضاً، أراد تقديم عقد إيجار مزور لشركته ليتمكن من الحصول على تعويض السكن، وحين سألته أجاب: هذا ما يفعله الجميع.
• أحد الأصدقاء طلب إذناً لمغادرة العمل قبل انتهاء الدوام بربع ساعة عند الضرورة، وحصل على الموافقة، ولكنه بدأ يخرج قبل نصف ساعة من نهاية العمل، يومياً، سواء احتاج إلى ذلك أم لا. حيث سألته عن الموضوع أجاب: الموظف البديل موجود قبل مغادرتي بساعة كاملة، وليس هناك داعٍ لوجودنا معاً.
في الحقيقة، الأمثلة التي كنت شاهداً عليها أكثر من أن يحصيها مقال واحد، وبعضها طبعاً يندرج تحت فئة الجريمة المهنية التي يعاقب عليها القانون، مثل تسريب بيانات جهة العمل، وهو ما يخرج عن إطار موضوعنا اليوم. لذلك سأكتفي بهذا القدر، ولنبدأ حديثنا: ما الذي يدفعنا لاقتراف أمور مثل هذه؟

يعرّف خبراء الجهل الأخلاقي أربعة مستويات للأخطاء الأخلاقية:

المستوى الأول: عدم الانتباه للخطأ الأخلاقي
في هذا المستوى، يقترف أحدنا الخطأ دون أن يدرك أن ما يقوم به مخالف للقواعد الأخلاقية، وحين يتم تنبيهه يستدرك ويصحح الخطأ. ربما يكون هذا المستوى هو الأكثر شيوعاً، ففي مثال استخدام البريد الالكتروني الشخصي، يكفي تنبيه الشخص إلى مخاطر تسرب المعلومات وسهولة اختراق البريد الالكتروني الشخصي ليعيد حساباته ويندم على ارتكاب هذا الخطأ. وفي مثال المغادرة الباكرة، يكفي تنبيه الشخص إلى العبء الذي يلقيه على زميله البديل من خلال هذا السلوك للتنبه إلى أن ما يقوم به خطأ. في هذا المستوى، كل ما يحتاج إليه الفرد هو بعض التوعية بالمعايير الأخلاقية التي يجب تطبيقها في مثل هذه الحالات.

المستوى الثاني: إدراك الخطأ والإصرار على الفعل بسبب الجهل بعواقبه
في هذا المستوى يدرك الشخص الخطأ الذي يقوم به، ولكنه يصر عليه بسبب مرونة معاييره الأخلاقية، وعم إدراكه لعواقب ما يقوم به على نفسه وعلى جهة العمل. في مثال المترجم الذي لم يجد ضيراً في عدم التدقيق الذاتي بحكم وجود مدقق الجودة، لم يدرك المترجم أن هذا الفعل يترتب عليه رسم صورة غير مهنية لنفسه تسبت لاحقاً في توقف العمل معه، كما لم يدرك أن مدقق الجودة قد يتغاضى عن الخطأ بحكم الثقة بمهنية المترجم، أو بسبب الاستعجال نظراً لضغط موعد التسليم، وهو ما يسبب خسائر للشركة. للأسف تتحول الأخطاء ضمن هذا المستوى إلى أسلوب عمل وحتى أسلوب حياة، وغالباً ما تترك آثاراً مدمرة على جهة العمل وعلى الشخص الذي يرتكبها معاً. وللأسف أيضاً، غالباً ما يكون هذا المستوى مقدمة لانتقال الشخص إلى المستوى التالي.

المستوى الثالث: إدراك الخطأ ومعرفة عواقبه والإصرار عليه، مع تبرير هذا الإصرار أخلاقياً
في هذا المستوى، يبرر مرتكب الخطأ ما يقوم به بتبريرات متنوعة، منها مثلاً أن جهة العمل أخطأت في حقه، كما في مثال استخدام الهاتف للأغراض الشخصية، أو أن الجميع يقوم بذلك كما في مثال عقد الإيجار المزور. ما ينساه مرتكب الخطأ في هذه الحالات أن عواقب ما يقوم به جسيمة على عدة مستويات: على صورته أمام جهة العمل (وتطوره المهني بالتالي) أولاً، وعلى صورته الذاتية أمام نفسه ثانياً، وعلى سير عمل الشركة ثالثاً. ففي مثال عقد العمل المزور، اضطرت الشركة التي يعمل فيها الصديق إلى التخلي عن عدد من الموظفين بسبب ضغط النفقات، وفي مثال استخدام الهاتف للأغراض الشخصية، اضطرت الشركة التي يعمل فيها الصديق إلى وضع سقف أعلى للاستهلاك أثر حتى على زملائه في عملهم اليومي.
في هذا المستوى، قد تكون المسؤولية عن عواقب ما يحصل فردية، وقد تشمل الشخص المعني وغيره ممن ارتكب الخطأ ذاته، أما العواقب فغالباً ما تشمل حتى أولئك الذين لم يرتكبوا أي خطأ.

المستوى الرابع: إدراك الخطأ وعواقبه، والإصرار عليه لتحقيق المنفعة الذاتية
في هذا المستوى، ينتقل الشخص من مفهوم الخطأ الأخلاقي إلى مفهوم الجريمة التي يعاقب عنها القانون، وهو موضوع يرتبط بأخلاق الشخص أولاً، وبمفهوم العقاب أيضاً، حيث يشجع الفساد والانحلال على مثل هذا السلوك، وغالباً ما تكون النتيجة مكاسب كبيرة للفاسدين، وضرراً كبيراً على غير الفاسدين، وهو موضوع يرتبط بسياسة الشركة ومبدأ الشفافية والمحاسبة، وهو موضوع مختلف عن مقالنا اليوم.

في جميع مستويات الخطأ الأخلاقي أعلاه، تكون العواقب السلبية حتمية على مرتكب الفعل، عاجلاً أم آجلاً، ولذلك لا بد من العمل على التوعية بأهمية القواعد الأخلاقية وتطبيقها بشكل صارم حتى على أبسط الأمور والقرارات. لتحقيق ذلك، يتوجب على الشركات أيضاً اعتماد قواعد أخلاقية (Code of Conduct) صارمة، وتضمينها في نظام الترقيات والعقوبات، مع ضمان عدالة هذا التطبيق. وفي واقع الأمر، يندرج الالتزام الأخلاقي ضمن سياق الثقافة العامة، وهو أمر يحتاج إلى جهد توعوي كبير.

د. علي محمد هو المؤسس والمدير التنفيذي لمؤسسة الأرابيك

آخر تعديل على الخميس, 13 تموز/يوليو 2017 09:25